الرسول سعودي؟

4 أغسطس

ياخي الرسول صلى الله عليه وسلم .. سعودي !”
*تصفيق حار من الجمهور*- مغني سعودي موجهاً كلامه لمذيع لبناني

الكثير من السعوديين يعتقدون كما يعتقد صاحب هذا الإقتباس بأن الرسول صلى الله عليه وسلم خاص بهم، فهم أدرى بالإسلام وهم أصحاب الفرقة الناجية، ومايفعله غيرهم يُعدّ من البدع. كما أنهم العرب الذين يفقهون القرآن دون أي ترجمة، وأرضهم هي أرض الحرمين.

 أذكر أن أحد الأخوة الليبيين ذكر لنا نسبه سعيداً بأنه من آل البيت، فما كان من أحد السعوديين إلا أن استهزئ بكلامه قائلاً “عجيب والله إلا يحتكون بنا!” فهذا السعودي يعتقد بشكل ما -كما يعتقد غيره- بأن الرسول سعودي. وذكرتُ في تدوينة سابقة بأن إحدى المبتعثات رفضت أن تشارك المسلمين في صلاة التراويح كون الإمام يدعو بعد فراغه من الصلاة وليس بعد قيامه من الركوع كما يفعل الأئمة في الحرمين، وأخبرتني بأن ذلك “استغفر الله.. خرافات”، فالسعوديون في نظرها هم من يتبع الإسلام الحقيقي الخالي من المبتدعات. وكلنا سمع بقصة سارة الشريف رحمها الله التي قُتلت من قبل أخيها لأنها قررت الزواج من شاب يمني، فأخوها كان يرى الشاب غير كفؤاً لنسبهم المقدس لأنه أساساً غير سعودي. وانظر إلى من يتّبع فتاوى المشايخ السعوديين فقط ولا يستمع لغيرهم لأنهم “مبتدعون”، بل ويجبرون غيرهم من العرب والمسلمين على اتباع شيوخهم. إحداهن كانت تضم أيدي النساء المُسبلات في الصلاة بنفسها خلال صلاتهن حتى تكون صلاتهن صحيحة!

وبالمقابل، يعتقد الكثير من العرب أن السعوديين هم من أحفاد الصحابة – كما ذكر أحدهم- وبأنهم شعب الله المختار، ويتفاجئون إذا ما صدر عنهم أي قبيح، فأرض السعوديين هي مهد الإسلام، فكيف لا يمثلونه؟ وكأن الإسلام أُنزل على السعوديين فقط. والأعجب من ذلك أن بعض السعوديين يتفاجئ إذا ما ارتكب مبتعث حماقة ما، كأنه لا يجوز أن يخطيء “سعودي”، أو كأن السعوديون لا يرتكبون حماقات في وطنهم.

نراكم في تدوينة قادمة بإذن الله.

من أنظف: الأمريكي أم السعودي؟

19 مايو

“مهما فعل الشرق الأوسطيين لكم أو مهما كان موقفكم منهم، فإنهم في النهاية يستنجون بالماء” – رسل بيترز، كوميدي كندي

هذه نكتة قالها الستاند اب كوميديان، رسل بيترز ذو الأصل الهندي في محاولة لشرح أهمية النظافة الشخصية للكنديين بإستخدام الماء عند الإستنجاء. ولعل لدينا من النقائص أمام الغرب مايكفي لجلد الذات، إلا أنني أستطيع أن أجزم وبكل ثقة أنه ليس هناك من يعتني بالنظافة الشخصية مثلنا، خاصة إن قارنا أنفسنا بأبناء العم سام. وبالطبع لكل قاعدة شواذ وهناك من أبناء جلدتنا من يهمل نظافته الشخصية، ولكن شواذ القاعدة في هذه التدوينة أمر لا يهمني.

وفي الحقيقة من أهم المعضلات الصغيرة التي تواجه المبتعثين هي الحمامات العمومية والتي لا تحوي على مرش للماء. فالأمريكيون يستنجون بأوراق التواليت أو بالمناديل. وبعض المبتعثين لا يستخدمون الحمامات العامة وإن كانت نظيفة في الظاهر كصديقتي التي تخاطر بصحة مثانتها و لا تستخدم حمامات الجامعة حتى تعود إلى منزلها وإن طال مكوثها خارج المنزل. والبعض يحمل معه عدة يتجهز بها من أجل دخوله للحمام، كقارورة مياه بلاستيكية فارغة يقوم بتعبتئها بالماء ليستخدمها في الإستنجاء، ومناديل معقمة يمسح بها كرسي الحمام، وورقة مخصصة يضعها على كرسي الحمام قبل الجلوس.

والكثير من المبتعثين قد وضعوا شطافات المياه في حمامات منازلهم والتي قاموا بجلبها من السعودية، أو بشرائها من محلات السباكة. والبعض لم يستطع تركيب الشطاف لسبب أو لآخر، فاكتفى بشراء مرش للزرع (إبريق لسقي الزرع) يستخدمه عند الإستنجاء.

وفي العادة عندما تكون هناك رائحة عطر زكية وقوية في مكان ما، فإنه غالباً ما يكون قد مر من هذا المكان شخص من إحدى دول الخليج، إذ أننا نستخدم العطور بكل سخاء. وأذكر قصة مشهورة أن أحد المعاهد اشتكت من رائحة طالب سعودي، ليكتشفوا بعدها أن ما يستخدمه هو أجود أنواع العود، ولكن الأجانب لا يحبون الروائح الثقيلة خاصة في فترة الصباح.

وبالحديث عن الروائح الكريهة، تناسى هؤلاء الأعاجم الذين لا تعجبهم رائحة العود الطيبة أمر رائحة البول في الأماكن العامة. فبعض الأماكن العامة التي يكثر فيها المتسولون تضج برائحة البول، كبعض المحطات في مترو الأنفاق على سبيل المثال، وتزداد هذه الرائحة وتقل تبعاً للمناسبات أو لبعض المواسم. كما تنتشر رائحة الخمور الكريهة التي تصدر من بعض المطاعم التي تُعد غاية في الفخامة والتي تقدم الجبن معها. ويصدر عن أفواه شاربي الخمور رائحة كريهة، كما يصدر عن بعضهم رائحة مزعجة لإهمالهم النظافة الشخصية. وأذكر أن أحدهم في أحد المجموعات الدراسية اعتذر لنا مقدماً عن الأصوات التي من الممكن أن تصدر عنه لأنه أكل نوعاً من الطعام، والصينيون بالمناسبة يحتلون الصدارة في إهمال النظافة الشخصية.

وكثير من النساء لا يقمن بإزالة شعر أجسادهن عنهن- حتى شعر المناطق الحساسة- لإعتقادهن أن ذلك جزء منهن ومن الطبيعة، وليس عليهن فعل ذلك ليحصلن على إعجاب الرجل. وكثير من مشاهير هوليوود، ككيت ونسلت وكاميرون دياز يرفضن إزالة شعر أجسادهن ويدعين بأن مايفعلنه هو الأنوثة بعينها.

والملاحظ هنا وجود الغسالات العمومية في بعض المباني السكنية، إذ أحياناً لا تتوفر في كل شقة غسالة ملابس خاصة بها، وستسرح حينها بخيالك في مدى نظافة الملابس التي وُضعت في هذه الغسالات العمومية ومدى نظافة أصحابها.

والمبتعثون يبحثون عن أماكن نظيفة للسكن فيها، والمبتعث الذي يحصل على شقة كان يسكن فيها متزوجون سعوديون يحصل عادة على شقة نظيفة. أخبرتنا الأستاذة الكندية في المعهد عندما كنا نتحدث عن الصورة النمطية عن كل شعب، بأن الشعب السعودي مهووس بالنظافة. وأن هذه الصورة النمطية تشكلت لديهم من خلال السعوديين والسعوديات الدارسين في المعهد. ضحكت حينها وأخبرتها بأن صديقتي المبتعثة تأخذ شرشفاً معها عندما تسافر حتى تضعه على سرير الفندق، حتى وإن نزلت في أغلى الفنادق وذلك لهوسها بالنظافة ولتفكيرها المستمر بمدى نظافة الأشخاص الذين ناموا مسبقاً على هذا السرير!

ومن العجيب أن الشعب السعودي هو شعب ذو ثقافة جماعية تبتعد عن الفردانية الغربية -فهو شعب يعتقد بأهمية الجماعة في كثير من الأمور الدينية كالنصيحة والصلاة وفي غير الأمور الدينية كالإعتزاز بالقبيلة والعائلة- حتى إذا وصل الأمر للنظافة أصبح شخصاً فردانياً تهمه النظافة الشخصية ونظافة منزله فقط ولا يُلقي بالاً لنظافة مايقع خارج حدود ممتلكاته ! وانظر إلى الحدائق والحمامات العامة حتى تفهم ما أقصد.

نراكم في تدوينة قادمة بإذن الله.

ماذا يأكل المبتعث؟

3 مايو

ا “فليأكل ما يريد! وما شأننا في ذلك؟” ا

هذه مدونة تُعنى بشؤون المبتعثين وتقوم بملاحظة عاداتهم وأخبارهم وتدوينها، والأكل عملية فسيولوجية يقوم الإنسان بممارستها يومياً كما أن الإنسان يقضي 3 إلى 4 سنوات من عمره فقط في أكل الطعام، بالإضافة إلى ذلك، ألا توافقوني الرأي بأن الطعام يستحق أن يُفرد له موضوعاً منفرداً؟

في بداية الإبتعاث، كان الكثير من المبتعثين يتحرون اللحم الحلال المذبوح على الطريقة الإسلامية أو “كوشر” وهو الطعام الذي يتوافق تقديمه مع القوانين الدينية اليهودية، فلحم الكوشر هو لحم تم ذبحه على الطريقة اليهودية. وربما كان سبب تحري المبتعثين للحلال في بادئ الأمر هو احتكاكهم بالمبتعثين الليبيين الذين لا يأكلون إلا في مطاعم تقدم اللحوم الحلال. وبالإضافة إلى الليبيين، يوجد كذلك المبتعثون الشيعة الذين لا يأكلون سوى اللحم الحلال، والكثير من الباكستانيين والهنود. أذكر أن إحدى الهنديات كانت تلبس القصير ولكنها كانت فخورة بما تتناوله من لحوم أمام صديقاتها المحجبات، فتخبرهم بصوت عالِ مرتدية القصير بأنها لا تتناول إلا “الزبيحة”.

ورغم أن هناك آية صريحة من القرآن (وطعامُ الذين أوتوا الكتاب حلٌّ لكم) تنص على إباحة طعام أهل الكتاب، إلا أن الكثير من المبتعثين كانوا يصرون على تحري اللحم الحلال ويعللون بأن الصعق الكهربائي الذي يستخدمه الأجانب في قتل الأبقار والأغنام ليس كالذبح، حتى جاء الفرج بفتاوي عديدة من شيوخ كانت أولها من سلمان العودة. ومع ذلك، يوجد العديد من المبتعثين الذين لا يأكلون اللحم إلا إذا كان مذبوحاً على الطريقة الإسلامية من باب التقوى وتحري الحلال في الطعام، وتجد بعضهم ينتقد غيره في عدم السير على تقواه. إحداهن شبهت بعض المبتعثين ببني إسرائيل ف (كل الطعام كان حلّا لبني إسرائيل إلا ما حرّم إسرائيل على نفسه).

والعديد من المبتعثين خاصة الذين لا يتحدثون الإنجليزية بشكل جيّد يخطئون فيأكلون الخنزير من غير قصد في بداية ابتعاثهم. فأسماء الخنزير في الطعام متعددة، و لحم الخنزير يُضاف إلى العديد من الأطباق كسلطة السيزر الإيطالية، والبرقر، وبجانب البيض في الفطور، ويظنونه لحماً مقدداً أو من مكونات الطبق ولا يكتشفون الأمر إلا بعد فوات الآوان. حتى مادة الجيلاتين المصنوعة من الخنزير، والتي تكون موجودة في حلويات بشكل أساسي كالمارشملو “خدود البنات؟” وحلويات ال”جيلي”، لا يتعرف عليها المبتعث إلا في وقت متأخر بسبب الجهل غالباً وبعدم اكتراثه أحياناً.

كما أن الكحول لها قصة آخرى مع المبتعثين، فبعيداً عن الخمور إن كان هناك من يشربها، إضافة الكحول إلى الطعام تسبب توتراً لهم. فالكثير من المبتعثين لا يأكلون الطعام الذي يحتوي على النبيذ “الواين”، رغم أن تناول هذا الطعام بكميات كبيرة لا يُسكر. وبعضهم يأكل منه لأن نسبة الكحول فيه بسيطة، لا تُسكر ولا تؤثّر (انظر فتوى ابن عثيمين).

وفي بلد يعج بالأكل القمامي كأمريكا، يفتقد المُبتعث إلى طعام لذيذ مطبوخ. فيقوم بالترحال إلى بقالات عربية أو باكستانية يبتاع فيها الكثير من البهارات والمستلزمات الخاصة بالأكل العربي، والكثير من المبتعثين الطلاب أصبحوا طباخين يجيدون طبخ الكبسة، بل ويقدموها كطبق شعبي في اليوم الوطني للأجانب بالإضافة إلى القهوة العربية التي لا يستطيع المبتعث أن يجد البُن الخاص بها في البقالات العربية إلا فيما ندر. بل وأصبح أحدهم نجماً في الشبكات الإجتماعية لأنه افتتح قناة في اليوتوب يعلم فيها الطبخ، وآخر أصبح طبّاخاً مُحترفاً غيّر مجاله الدراسي (هندسة طبية) من أجل تحقيق حلمه.

ويقوم البعض بشحن الأطعمة وجلبها معهم من السعودية إلى بلد الإبتعاث، كالتمور والأجبان المعلبة والأندومي والبن العربي والبهارات. والكثير منهم لا يصرّح عنها عند وصوله إلى المطارات ويكتفون بتمتمة الآية الكريمة “وجعلنا من بين أيديهم سدّاً..”. وفي التصريح عن الأطعمة والكشف عنها حفاظ على البيئة من مخاطر الأمراض والحشرات التي قد تجلبها بعض المواد الغذائية. ولكن الكثير يٌفضّل أن يدع أمور حياته “تمشي بالبركة”، ويصبح الأمر مُخالفاً للقوانين يتعرض صاحبها للغرامة أو التشهير كما شاهدنا في أحد برامج التلفاز الإسترالية عن عائلة سعودية أرادت تقضية إجازتها في استراليا وقامت بجلب الأطعمة بدون أن يصرحوا عنها.

والمبتعث يتفاجئ من تطفل الأجانب على الطعام كشعيب، فهم يقدسون الطعام المجاني ويتكاثرون عليه كالذباب دون خجل. أذكر أن أحد الأساتذة أخبرنا بأن فرصة قدوم الناس إلى المؤتمرات والمحاضرات والكلمة التي تُلقى عادة في المؤسسات التعليمية تزداد مع وجود المشروبات والطعام المجاني. وإذا قارنت بين الخطوط الجوية السعودية وبين الخطوط الأمريكية والكندية-بغض النظر عن المزايا والمساوئ- تجد أن من أهم المفارقات الموجودة هي الطعام. فالطعام مجاني في الخطوط السعودية حتى في الرحلات الداخلية، ولكنه ليس كذلك في الرحلات الداخلية على متن الخطوط الأمريكية والكندية -وإن طالت الرحلة من شرق القارة الأمريكية إلى غربها- سوى المشروبات. وزملاء الدراسة يعدّون تناول الطعام خارج المنزل من الإسراف حتى في فُسح الغداء، فهم يحملون شنط الغداء معهم والتي تحتوي على فواكه وطعام مطبوخ مسبقاً في حافظات مخصصة يقومون بتسخينها في أجهزة المايكرويف الموزعة بداخل ساحات الطعام الجامعية. وهم أيضاً يأكلون وينظرون إلى طعامك ويستفسرون عنه وعن اسمه ومكوناته دون خجل، وإذا دعوتهم إلى تجربة بعضاً منه، لا يقومون برد طلبك كما نفعل نحن العرب عادة-فلا نجيب إلا على استحياء وتلبية لقسم الداعي بالأيمان المغلظة- بل يتذوقون منه بكل رحابة صدر ويشكرونك.

والعديد من المبتعثين تأثروا بهذه العادات الأمريكية المتعلقة بالطعام، فالكثير من الحفلات التي تُقام في الغربة تكون على أساس المشاركة بأطباق الطعام potluck
وعادة القسم بدفع فاتورة الطعام عن الشخص الآخر بدأت تتلاشى ليحلّ معها الدفع بال”باي” أو المشاركة في الدفع بتقسيم الفاتورة على الجميع.

ولأن الطعام في المطاعم الأمريكية يأتي بكميات وفي أطباق كبيرة، اعتاد المبتعث على أخذ الطعام معه للمنزل وذلك لتسخينه وتناوله فيما بعد. أحد العرب انتقد العادات العربية فيما يتعلق بالطعام المتبقي، أخبرني بأن الناس في مدينته مازالوا يتهيبون من أخذ الطعام المتبقي معهم عند انتهائهم من الأكل في المطاعم حتى لا يُتهمون بالبخل!

والقهوة السوداء الأمريكية أصبحت عادة جلبها الكثير من المبتعثين إلى السعودية، فالمقاهي الأمريكية على نظام المطاعم السريعة، تقف في طابور لتبتاع قهوتك في كوب ورقي وتذهب إلى عملك أو محاضرتك. وهناك العديد ممن لم يكن يشرب القهوة السوداء، وأصبح مدمناً عليها كونها رفيقة الدراسة والسهر. أخبرتني إحداهن أنها عانت كثيراً عندما عادت إلى السعودية وذلك لأن منزلها يقع بعيداً عن مقهاها المفضل دانكن دوناتس. (هل أنت من حزب الشاي؟ اضغط هنا

ومن الطريف أن السعوديين يقومون بإرسال صور الطعام المنزلي إلى أصدقائهم وأقاربهم من المبتعثين من باب قهر المبتعث وهي طريقة ناجحة ومضمونة بالمناسبة.

نراكم في تدوينة قادمة بإذن الله

مدونة جديدة!

6 فبراير

بعد تردد طويل، قررت أن أنشيء مدونة جديدة لي! نعم، ستكون مختلفة عن هذه المدونة لأنها ستكون شخصية نوعاً ما وستحتوي على الكثير من القصص – وقد أُسهب في السرد- بدلاً من الملاحظات والتحليلات عن المجتمع السعودي المُغترب والتي أدوّنها هنا، أيضاً سوف أحاول أن أكون على سجيتي، وأن أبتعد عن التدقيق ووضع كلمات مثل “نسبياً”، “غالباً”، “قد”..
الابنة الجديدة هي من خطط عام 2015 والتي تأخرتُ لأكثر من شهر في تنفيذها، سأحاول أن أكتب كثيراً وأن أنتظم في التدوين، وأن أبحث عن أفكار إيجابية مُلهمة تساعدني في إلهامكم🙂
هل سأهجر مذكرات طالبة مبتعثة؟ بالطبع لا، ستظل على حالها كما هي، وسأحاول أن أدوّن أكثر كوني مبتعثة، وبإمكانكم تزويدي بمقترحات لمواضيع عن الإبتعاث تريدون أن تقرأوا عنها أكثر.

والآن، هل من مُتابع لمدوّنتي الجديدة؟ أتشرف بزيارتكم لها.

مدوّنة نجم

أيها العربي.. لمَ تخاطبني بالإنجليزية؟

22 يناير

 “ما ذَلّت لغةُ شعبٍ إلا ذلّ ، ولا انحطَّت إلا كان أمرُهُ فى ذهابٍ وإدبارٍ” 

تتجول بهاتفك في إحدى الشبكات الإجتماعية فتجد متجراً سعودياً يعرض بضاعته باللغة الإنجليزية رغم أن المتجر لا يقوم بتوصيل بضاعته إلا بداخل السعودية. تمرر ناظيرك إلى التعليقات والحوارات الإنجليزية المكتوبة لتتفاجئ أنها كُتبت من قبل سعوديين. تقرر مشاهدة الصور في انستقرام لحسابات سعودية موجهة لزبائن من العرب لتجد أن التعليق مكتوب بلغة إنجليزية مليئة بالأخطاء. تذهب إلى إحدى المطاعم في السعودية لتطلب ماتريد بالإنجليزية حتى تتأكد أن النادل الذي لا يتحدث العربية سيقوم بإحضار ماتريده وليس مافهمه هو. تأتيك رسالة باللغة الإنجليزية مع مفردات “عربيزية” قبيحة من زميلة قضت أغلب حياتها في العربية السعودية. تصغي لإحداهن وهي تأمر ابنها بلبس “الشوز” بنفسه ليكون “قود بوي”، وتسمع أحد السعوديين يطلق صيحة تعجب “جيس!” (اختصار جيسس|يسوع بالعربية) من خبر هبوط أسعار النفط. تُشاهد محاضرة أُقيمت في أحد مدن المملكة باللغة الإنجليزية لجمهور عربي رغم أنها لاتحتوي على أي مصطلحات علمية على الإطلاق. تتذمر إحداهن باللغة الإنجليزية زاعمة أن اللغة العربية لا تسع مشاعرها في نفس اللحظة التي يتقلب فيها حافظ ابراهيم في قبره.
ماهذا ياعرب! هل نحن حقاً في الجزيرة العربية؟

لماذا الإنجليزية؟

نعلم جيداً أن اللغة الإنجليزية غدت لغة العلم في هذا الزمان، بعد أن تنازعت معها اللغتين الفرنسية والألمانية لإحتلال الصدارة قديماً. وعلى الرغم من أن الماندرين الصينية هي اللغة الأكثر استخداماً كون الشعب الصيني هم أكثر سكان العالم تعداداَ، إلا أن الإنجليزية هي اللغة المسيطرة في جميع أنحاء العالم. ولا مجال للمقارنة بين لغة الماندرين الصينية واللغة الإنجليزية، فاللغة الصينية هي الأكثر استخداماً وذلك بسبب تعداد السكان لأهل الصين الذي يفوق المليار والنصف نسمة، مليار منهم تقريباً يتحدثون الماندرين بشكل رسمي!

 
ولكن لم أصبحت اللغة الإنجليزية هي اللغة المسيطرة؟
هذا بسبب الإستعمار قديماً وبسبب الحاسوب حديثاَ: فاستعمار بريطانيا لدول العالم حتى أصبحت الدولة التي لا تغيب عنها الشمس جعلت الكثير من الدول تتحدث اللغة الإنجليزية بشكل رسمي، فالولايات المتحدة الأمريكية وكندا واستراليا ونيوزيلندا والهند وجنوب أفريقيا والعديد من الدول العربية كمصر والسودان واليمن كانت تحت الإستعمار البريطاني. وغالبية هذه الدول أصبحت تتحدث بلغة المُستعمر حسب مدة إستعماره والمهاجرين إليها. وانهيار ألمانيا بعد الحرب العالمية، وصعود الولايات المتحدة كدولة عظمى تؤثر اقتصادياً وسياسياً وثقافياً على دول العالم، جعل من اللغة الإنجليزية لغة مسيطرة.
أما الحاسوب فقد أصبحت لغات البرمجة فيه تعتمد إعتماداً أساسياً على اللغة الإنجليزية الأمريكية. فلا يتعرف الحاسوب على كلمة colour بالإنجليزية البريطانية في أغلب البرامج الحاسوب البرمجية. وعندما أتحدث عن البرمجة فإن ذلك يشمل الجوالات بأنواعها، والأجهزة اللوحية (كالآيباد)، والشبكات الإجتماعية، والمواقع الإلكترونية على اختلافها، بل وهذه التدوينة التي تقرأها كُتبت في موقع بُني بإستخدام البرمجة.

لذلك، من المهم أن نتحدث ونقرأ بلغة العلم، بل ومن الواجب تعليمها للأطفال حتى يشاركوا في فهم وصُنع العلم. لكن لأي مدى نُجيز لهذه اللغة الأجنبية بالدخول إلى أمور حياتنا رغم امتلاكنا للغة رائعة؟ لماذا يتحدث العربي إلى عربي آخر بلغة إنجليزية أو يُدخلها إلى محادثاته في العالم الإفتراضي؟ هل حديث العربي إلى عربي آخر بغير لغته يدل على احتقاره للعربية أم عدم تمكنه منها؟

وبالحديث عن الإحتقار أو الفخر والإعتزاز باللغة، أجد أن أهل كيبيك في كندا من الناس الأكثر اعتزازاً وفخراً بلغتهم الفرنسية لدرجة العنصرية. فعلى سبيل المثال، قد يرفض شخص ما التحدث إليك باللغة الإنجليزية رغم أنه يتقنها. ونجد أن المُنتجات الأجنبية التي تُباع هنا لابد وأن تكون مكتوبة باللغة الفرنسية بالإضافة إلى اللغة الأساسية لها، وإلا تُمنع من دخول كيبيك. وللطلاب هنا في الجامعات حق الكتابة باللغة الفرنسية إن أرادوا ذلك رغم أن الجامعة تُدرس باللغة الإنجليزية! وإذا أرادت إحدى المتاجر الأجنبية أن تفتتح لها فرعاً في كيبيك ولها موقع إلكتروني، لابد وأن يحتوي الموقع على خيار اللغة الفرنسية في التصفح وإلا سيُحجب!

على سبيل المثال، هذا موقع أمريكي لمتجر ملابس موجود في مونتريال، ولكن بسبب عدم احتواءه على اللغة الفرنسية كخيار للتصفح، أصبح محجوباً!

Screen Shot 2015-01-22 at 1.19.21 PM
“نظراً لقانون اللغة الفرنسية، لا نستطيع عرض هذا الموقع للأشخاص الموجودين في منطقة كيبيك الكندية.. سندرس إمكانية إضافة اللغة الفرنسية لخدمة الزبائن الذين يتحدثون الفرنسية..”.
وهذا موقع أمريكي آخر لبيع الملابس موجود في مونتريال، لكنه محجوب أيضاَ!

Screen Shot 2015-01-22 at 1.17.22 PMأذكر أن أستاذة اللغة الفرنسية المُهاجرة من إيران كانت تخبرنا بأنها تتحدث مع طفلها باللغة الفارسية فقط وتتجاهله حين يتحدث إليها بالإنجليزية أو الفرنسية، ” الفارسية لغة جميلة، لا أريده أن يكبر ويتقن الإنجليزية والفرنسية ولا يتحدث الفارسية لغتنا الأم، أو يتحدثها كأجنبي! ثم أن الأطفال أذكياء بإمكانهم أن يتحدثوا 7 لغات بطلاقة”.

نعود مرة أخرى إلى نفس السؤال: لماذا يتحدث العربي إلى عربي آخر بالإنجليزية؟ هل هذا يعود إلى أن الإنجليزية تُضفي هيبة وتُسبغ شيئاً من المسحة الثقافية على المُتحدث؟ هل يريد المُتحدث المُحافظة على لغته الإنجليزية حتى لا ينساها؟ هل اعتاد المبتعث على التحدث بالإنجليزية لأنه قضى من 3 إلى 5 سنوات في الغربة متجاهلاً العشرين سنة – على الأقل- التي قضت ومنها سنوات التأسيس -الطفولة- وهو يتحدث بالعربية؟ أم هل يريد أن يتنصّل من التعليقات السلبية في الشبكات الإجتماعية لما يُريد أن يقوله خاصة وأن الكثير من الحسابات الفاضحة والتغريدات الجارحة – للأسف- باللغة العربية؟

غض البصر الأمريكي

22 ديسمبر

وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْم
{ لَا تَقْفُ } أي “لَا تَتَّبِع مَا لَا تَعْلَم ، وَلَا يَعْنِيك”


في هذه التدوينة لن أتحدث عن غض البصر بمعناه السائد عن العورات، فمن المعروف أن أمريكا من أكثر الشعوب المنتجة للمواد الإباحية في العالم. غض البصر في هذه التدوينة يعني كف إطلاق النظر عن ما لا يعنيه من عامة الناس. فمن المُلاحظ هنا أن العامة مشغولون بأنفسهم، لا يهمهم ماذا ترتدي، ماذا يعلو وجهك من انفعالات، أو ما الذي تفعله من عادات و عجائب طالما أن الأمر لا يعنيهم ولا يضرهم، وليس معك طفل. حتى في الأماكن المزدحمة بالناس كالمترو، نجد أن كل الأشخاص مشغولون بأنفسهم أو يتظاهرون بذلك حتى لا تلتقي نظراتهم بنظرات غيرهم، وهذا ما يطلق عليه أحد الأشخاص هنا ب”وجه المترو”.

إحدى الصديقات كانت تزعم بأننا نستطيع تمييز العرب أو السعوديين على وجه الخصوص، بالإضافة إلى السحنة الأسبانية، من طريقة التفاتهم للعامة. ومن المُلاحظ بأن طاولات المطاعم هنا قد تتقارب تقارباً شديداً لكن الجميع يحافظ على مساحته الخاصة دون أن يتدخل بنظرة إلى ما يدور داخل مساحات الآخرين.

في إحدى تدويناتها، كتبت (بلو عباية |العباءة الزرقاء) وهي سيدة فنلندية متزوجة من رجل سعودي وتعيش في الرياض، تدوينة بعنوان “رسالة إلى السعوديات: رجاءً اتركن زوجي وشأنه” ذكرت فيها “توقفن عن التحديق بزوجي.. الشعوب المتحضرة لا تحدق بالغرباء، إنهم لا يتهامسون في وجود غريب أو يشيرون إليه ثم يقهقهون! اغضضن من أبصاركن!” ارتداءكن للنقاب لا يسمح لكن بإطالة النظر للناس وتجاهل آية غض البصر!”
وكتب رجل إنجليزي في مدونته (إنجليزي في السعودية) تدوينة بعنوان (أنا لست قطعة لحم) ذكر فيها “ النساء هنا يغمزن لي بنظراتهن، أنا لا أمزح حتى زوجتي رأت ذلك، يحدقن بي من خلف أنقبتهن” ثم قال “ ربما كان السبب في معاناتهن هو هذا الغطاء، حتى الرجال يعانون أيضاً… في الليلة الماضية ارتدت زوجتي عباءة كعادتها ولكنها نست أن ترتدي بنطالاً طويلاً، وقد فوجئت بأن هناك رَجُلين ينظران إلى كاحلي قدميها! إلى الكاحلين!”
حتى ذوو الإحتياجات الخاصة لم يسلموا من نظرات الناس، إحدى صديقاتي أخبرتني أنها عندما ذهبت في رحلة لإحدى الدول الأوروبية بصحبة طفلها من ذوي الإحتياجات الخاصة ولأول مرة، تفاجئت بأن الناس مشغولون بأنفسهم ولا يحدقون بطفلها أو يوقفونها ليسألوها عن حاله!

ولكن لم لا نغض من أبصارنا ونحن شعب متدين كما يدعي ويحفظ جيداً آية غض البصر؟
من السائد أن الشخص لا يطيل النظر إلى أحد ما إلا إذا كان الناظر إليه شخص غريب (كأن يرتدي لباساً غريباً عن من حوله)، أو شخص معجب به، أو أن الشخص الذي يحدق بالآخرين في ملكوت آخر بسبب أحلامه أو أحزانه فجالت نظراته في الناس دون أن يقصد.

وبناءاً على السبب الأول، قد نقول أن صاحبة العباءة الزرقاء والرجل الإنجليزي يُعتبران شخصان غريبان عن المجتمع السعودي بملامحهما الأجنبية، ولذلك يحدق الجميع بهما. ولكن شعبنا الجميل ينظر إلى الأجنبي وإلى غير الأجنبي، فهذا السبب يصبح غير مُقنع. إذن، قد يكون سبب التحديق هو الإعجاب والحب، ولكني أشك في أن السعوديين معجبون ببعضهم لدرجة تفرسهم في ملامح بعضهم البعض. ماذا لو كان الشخص المتفرس في وجوه الآخرين غارقٌ في تفكيره؟ لا أعتقد ذلك طالما أنه يتذكر التفاصيل وأحلى التفاصيل🙂

إذاً ما الداعي لكل هذا الإلتفات؟ أعتقد بأن سبب التحديق في الآخرين هو الإختلاف في تحديد إطار الحرية الشخصية، كأن يعتقد الشخص بأن ليس للآخرين حرية التصرف فيما يفعلونه في العلن دون تدخل منه، فما يُفعل في العلانية يجب أن يقع تحت تحكيم الآخرين ثم يحصل على رضاهم وإلا فسوف يكون التدخل بال”نصيحة” إذا ما كان الفعل مخالفاً للإعتقاد والعادة. ولذلك كان لكلام الناس أهمية كبرى، فالجميع مُراقب من الآخرين، الجميع لديه الفضول ليعرف ماذا يفعل الآخرون، والكثير لديه القابلية للتدخل إن لزم الأمر بنصيحة أو بإطالة النظر، حتى أصبح التحديق في الآخرين عادة.

قد أكون مخطئة في تقديري، لكن ماذا عن رأيكم؟

هل يتغيّر المبتعث؟

26 أكتوبر

أمريكا غيّرتك!”، أتساءل إن كان هناك من المبتعثين من لم يسمع بهذه العبارة. إحدى تعريفات التعليم هو “التغيير في السلوك” ولا نستطيع أن نقول أن التعليم قد حصل لشخص ما إلا بعد تجدُد معلوماته، أو اكتسابه لمهارة جديدة يستخدمها، أو استبداله لسلوك قديم بسلوك جديد.

عندما ينتقل المبتعث السعودي إلى مكان آخر غير وطنه يتفاجئ بالتغيير الشامل الذي يحصل حوله، فاللغة قد اختلفت، والناس غير الناس، وهناك أديان متعددة، وأسلوب حياة جديد. ولكن، هل يتغير المبتعث؟ هناك عدة عوامل نستطيع أن نقول بأنها تساهم كثيراً أو قليلاً في تغيير أفكار المبتعث وشخصيته:

1- الدين: وقد وضعته في أول القائمة كون المبتعث قد جاء من وطن متدين نسبياً يؤمن أغلبيته بدين ومذهب فقهي واحد. فالكثير من المبتعثين يظنون بأن ما يفعلوه في الصلاة وخارجها هو من سنن المصطفى عليه السلام، وأن ما يفعله غيرهم قد يكون بدعة. أذكر إحداهنّ رفضت أن تشارك المسلمين في صلاة التراويح كون الإمام يدعو بعد فراغه من الصلاة وليس بعد قيامه من الركوع كما يفعل الأئمة في الحرمين، وأخبرتني أن هذا الأمر من الخرافات. كما تعجبت أخرى من قراءة الإمام للفاتحة في قوله تعالى “مَلِكِ يوم الدين” بدلاً من رواية حفص عن عاصم “مالك يوم الدين”. فعندما يتعامل المبتعث مع مسلمين من مذاهب شتى، يدرك أن الإسلام مصدره نصوص يختلف الناس في فهمها، وأنه ليس محصوراً على فئة معينة ذات فهم واحد وحال واحدة. وعندما يتعامل المبتعث مع غير المسلمين، يدرك أن هذه الحياة خٌلقت للمسلم ولغير المسلم، وأنه لابد من التعايش مع الآخرين مع وجود الإختلاف “لكم دينكم ولي دين”.

2- اللغة: لأن “من اقتصر على اللغة العربية فإنه يرى الدنيا بعين واحدة، فإذا عرف لغة أخرى رأى الدنيا بعينين”، وهذا لايعني البتة بأن من يتحدث لغتين أو أكثر هو أعلم ممن لا يتحدث إلا العربية. ولكن يجوز القول بأن الذي يتحدث الإنجليزية جيداً يستطيع التواصل بسهولة مع غيره من الآخرين وأن يقيم حوارات معهم تتعلق بكافة أمور الحياة، وأن يقرأ في ثقافاتهم المكتوبة بلغتهم ويتفكّر بها، ويستطيع أن يفهم مايدور في وسائل الإعلام من أخبار مهمة وتفاهات، ويقوم بانتقادها أو مناقشتها مع زملائه. وأغلب المبتعثين يتحدثون اللغة الإنجليزية.

3- الوحدة: يبتعد المبتعث عن أهله ومجتمعه ووطنه إلى مكان آخر مختلف تماماً، وعلى الرغم من أنه قد يتصادق غالباً في مكانه الجديد على أشخاص يربطونه بمكانه القديم، إلا أنه يظل غريباً في بلاد غريبة عنه، يراجع فيها أفكاره دون ضغوطات عائلية أو اجتماعية و لا يلبث أن يظهر صدق ما يؤمن به من معتقدات وعادات، فما كان يراءي به من أجل الناس ذهب مع الناس، وما يعتقد به يظل وإن تزحزح قليلاً بفعل المؤثرات والمغريات.

4- الناس: والمبتعث هنا يتعرف على أشخاص من بقاع مختلفة من الأرض، يحملون أفكاراً ومعتقدات شتى، ثم هم يتعاملون معه على أساس الإحترام، يحكون له عن تجاربهم ويتبادلون الأحاديث التي تعكس آرائهم، ولا يستطيع المبتعث حينئذ أن يعيب أو أن يعترض مايقوله الشخص الآخر إلا بحوار متزن وإلا فسوف يُرمى بالتخلف والرجعية وهو لا يريد أن يكون كذلك أمام العجم. فهذا الغريب الذي أصبح أديباً يُناقش شخصاً مختلفاً عنه على غير العادة. وقد ترى بعض المبتعثين وهم يصاحبون في غربتهم أشخاصاً من نفس مدينتهم وينأون بأنفسهم عن التعرف بأشخاص مختلفين عنهم متعللين بالراحة النفسية، وقد فاتهم من الخير الكثير.

5- أسلوب الحياة: وهنا قد يطول الشرح، فالمبتعثة التي كانت تعتمد على السائق في حلها وترحالها، أصبحت مستقلة تقود سيارتها أو تركب المترو من دون مساعدة من أحد. وهذا المبتعث الذي كان لايرى زميلته في وطنه، أصبح يناقشها في مقاعد الدراسة بإحترام.
ثم مسألة الحرية في ممارسة العبادات دون رقيب .. هذا النمط الجديد من الحياة يجعل المبتعث يقارنه بالنمط القديم ثم يتفكّر.

6- القراءة: القراءة كانت دائماً وأبداً مصدر أساسي للتغيير، وعندما يقرأ أحدنا في كتاب يوافق أفكاره، فإنه لا يضيف شيئاً جديداً إلى معلوماته. فالحقيقة كالمكعب الضخم يرى كل منا وجه واحد فقط نظراً لإختلاف مكانه، وتبادل الأفكار من خلال القراءة لآخرين يرون المكعب من أوجه مختلفة يسهل لنا تصّور الحقيقة أو على الأقل تخيلها.

7- الزمان: يغيب المبتعث عن أهله زمناً طويلاً وهو في ريعان شبابه، وفي هذه الفترة تحصل له الكثير من المواقف التي قد تبدل أفكاره وعاداته وهو بعيد عن أهله الذين لا يراهم إلا مرة أو مرتين في السنة، فهم لا يلاحظون بدايات تغيره ولا يرونه إلا وقد تغيّر فيتعجبون لذلك.

وعلى الرغم من دور هذه العوامل المهم، إلا أنه يظل هناك الكثير من المبتعثين أو مرافقيهم الذين لم تؤثر فيهم لأنهم اجتنبوا جلّها أو بعضها أو حتى كلها.
ولكن هل التغيير هذا هو تغيير سلبي أم إيجابي؟

برأيك عزيزي القارئ عند قراءتك لعبارة “غيّرتك أمريكا!” هل تظن أن هذا التغيير في عين قائله إيجابيٌ أم سلبي؟ أغلب من يتفوه بها يقصد بها التغيير السلبي بالطبع.. ولكن هل هذا التغير هو فعلاً سلبي أم إيجابي؟ الجواب عن هذا السؤال نسبي ويختلف بإختلاف المفهوم السلبي والإيجابي لدينا. فعندما يغير شخص بعض آرائه الفقهية نحو مسائل في العبادات أو أفكاره في بعض العادات، يكون هذا التغيير سلبياً عند البعض بل يعده من الأفكار الدخيلة من الغرب وأنه قد تم غسل عقل صاحبه. ولأننا نحكم على ظواهر الآخرين، فلنأخذ فتاة خلعت حجابها على سبيل المثال بعد أن كانت مُحجبة تغطي رأسها. نجد أن هذا الفعل عند بعض الناس حدث جليل ذو تغيير سلبي. أما ما تراه الفتاة، فهو غالباً قد يكون إما إتباعاً للهوى، وإما اقتناعاً بعدم فرض الحجاب. لست هنا لأتحدث عن مشروعية الحجاب أو عدمه، ولكن كلا من السببين هو دافع يستحق التأمل. فاتباعها للهوى يعني أن الفتاة كانت تلبس الحجاب في غالب الأمر من قبيل العادة وليس العبادة، أما إقتناعها بعدم مشروعية الحجاب يعني أنها لاترى الحجاب عبادة من الأساس. والفتاة في كلا الحالتين كانت ستخلع حجابها لولا وجودها في مجتمع متدين، فالتغيير هنا لم يكن من الفتاة بالأصل، وإنما تغيّر المجتمع فساعد ذلك على تغير ظاهر الفتاة بعد أن كانت تُبطن غير ما تُظهر. بالنسبة لشخص يؤمن بالحجاب، لايستطيع أن يحكم أن هذا الأمر هو أمر إيجابي، ولكن ماذا لو كانت الأسباب السبعة تؤثر في هذه الفتاة، فهي تتغير باستمرار بسببها، ألا يكون فعلها هذا خطوة نحو النضج بمعنى أنها لو عادت إلى الحجاب فسوف يكون تمسكها به حينئذ عبادة؟

%d مدونون معجبون بهذه: